"لَمْ يَكُنْ هَذَا الْكِتَابُ تَرَفاً فِكْرِيّاً، وَلَا مُحَاوَلَةً لِـمَلْءِ بَيَاضِ الْوَرَقِ بِكَلِمَاتٍ مُنَمَّقَةٍ؛ بَلْ هُوَ «شَهَادَةُ عُبُورٍ». كَتَبْتُ هَذِهِ السُّطُورَ وَأَنَا فِي قَلْبِ الْإِعْصَار، حِينَ كَانَ الرِّهَانُ لَيْسَ عَلَى النَّجَاحِ فَحَسْب، بَلْ عَلَى الْبَقَاءِ بِنُبْلٍ وَنَقَاءٍ فِي عَالَمٍ يُتْقِنُ فَنَّ التَّشْوِيهِ وَالتَّجْرِيد. قَدْ تَجِدُ فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ أَصْدَاءً مِنْ حِكْمَةِ الْأَقْدَمِين، أَوْ وَمَضَاتٍ مِنْ طُمَأْنِينَةِ الْإِيمَان، لَكِنَّكَ سَتَجِدُ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ «صِدْقَ الْجِرَاح». لَقَدْ آمَنْتُ دَوْماً أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تُدْرَكُ بِالنَّظَرِ إِلَى الضَّوْءِ فَحَسْب، بَلْ بِشَجَاعَةِ السَّيْرِ فِي الْعَتْمَةِ حَتَّى يَنْبَثِقَ الْفَجْر. بَيْنَ قِصَّةِ «حَسَكَةِ السَّمَكَة» الَّتِي عَلَّمَتْنِي الْحَذَرَ مِنْ عَثَرَاتِ الزَّمَن، وَبَيْنَ «آيَةِ الْخَلِيل» الَّتِي أَعَادَتْ لِي يَقِينِي بِالْعَدَالَةِ الْإِلَهِيَّة، أَدْعُوكَ لِرِحْلَةٍ مُغَايِرَة. رِحْلَةٌ لَا تَعِدُكَ بِأَنْ تَكُونَ «أَفْضَلَ» فَحَسْب، بَلْ تَعِدُكَ بِأَنْ تَكُونَ «أَكْثَرَ تَحَرُّراً». تَحَرُّراً مِنْ قُيُودِ التَّعَلُّق، وَمِنْ وَهْمِ التَّمَلُّك، وَمِنْ وَطْأَةِ الظُّلْم. هَذَا الْكِتَابُ هُوَ صَرْخَتِي الْهَادِئَةُ فِي وَجْهِ الزَّيْف، وَهُوَ يَدِي الْمُمْتَدَّةُ إِلَيْكَ لِتَقُولَ لَكَ: «سَيَكْفِينِي» مَا هُوَ حَقّاً لِي، وَسَأَتَحَرَّرُ بِسَلَامٍ مِمَّا لَيْسَ لِي. فَفِي الِاسْتِغْنَاءِ تَكْمُنُ السِّـيَادَةُ الْحَقِيقِيَّة." "هذا الكتابُ هو يدي الممتدةُ إليكَ لتقولَ لكَ: إنَّ السيادةَ لا تُمنح، بل تُستردُّ بالاستغناء.
علي مصطفى · 1 د قراءة