لُغَةُ البَيَانِ: مَا بَيْنَ حَرْفٍ وَآخَرَ أَنْتَقِلُ مِنْ عَالَمٍ إِلَى آخَرَ، أتأرجح بين حقول حروفها وصورها وكلماتها، فِيهَا مَا يَشُدُّ القِارئ بِكَلِمَاتِهِا، وَفِيهَا مَا يُجَرِّدُ النَّفْسَ مِنَ المَشَاعِرِ. فَحُرُوفُهَا إِنْ تَبَعْثَرَتْ أَفَادَتِ الوُقُوفَ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ تَرْجَمَتِ الشُّعُورَ. لُغَةٌ تَجَلَّتْ بَيْنَ لُغَاتِ العَالَمِ، وَنَثَرَتْ رَيْحَانَ الحُبِّ فِي كَلِمَاتِهَا بين السطور، حَيْثُ إِنَّهَا رَفَعَتِ البَادِئَ فِي الأَمْرِ، و المُخْبِرَ فِي الخَيْرِ، كَمَا رَفَعَتِ الفِعْلَ وَنَصَبَتِ الفَاعِلَ.
لُغَةٌ تَجَلَّتْ مِنْ بَيْنِ اللُّغَاتِ، أَثَارَتْ شُعُورَنَا وَأَضَاءَتِ الكَلِمَاتِ. أَحَبّت فِيهَا النّفسُ أَنْ تَجُولَ بَينَ منارات جمال تعابيرها وبساتين حروفها وكمال صورها، فها هي تجول بين هُنا وَهُناك، بَيْنَ البِدَايَةِ وَالخِتَامِ. فِي أَلِفِهَا أَبْدَأُ حَدِيثِي، وَفِي يَائِهَا يَهْدَأُ شُعُورِي وَيَسْكُنُ خَاطِرِي.
لُغَتِي العَرَبِيَّةُ، لُغَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ الذي حمل في جوفه أَبْهَى العِبَارَاتِ وَأَجْمَلَ التَّشْبِيهَاتِ وَأَسْمَى العِبَرِ فَأَنَا اليَوْمَ كَاتِبَةٌ لِلُّغَةِ الضَّادِ الَّتِي تَجَمَّلَتْ فِي حُرُوفِهَا المَعَانِي، وَارْتَقَتِ النَّفْسُ بِالحُبِّ وَالسُّمُوِّ وَالخُلُودِ. أَرَى فِيهَا انْتِصَارِي، وَأَرَى فِيهَا ذَاتِي، وَأَرَاهَا كَمِرْآَتِي الَّتِي سَجَّلَتْ انْتِصَارَاتِي وَعَكَسَتْ دَرْبَ مُعَانَاتِي. والتي أخذتني في رحلةٍ تعددت مواقفها في طياتِ الزمان ما بين أشعار الجاهلية وقوة الأندلسية وحكم الإسلام.
حُرُوفُهَا يَا سادة كَالنَّغَمِ يَتَسَلَّلُ إِلَى القُلُوبِ وكَمَا لَوْ أَنَّ حُرُوفَهَا انْسَجَمَتْ أَسَرَتِ الأَفْئِدَةَ. لُغَتِي، يَا لُغَةَ الضَّادِ، يَا أُمَّ اللُّغَاتِ وَأَحْلَاهَا، يَا إِرْثَنَا المَجِيدَ وَحَاضِرَنَا المُنِيرَ. فَهِيَ أَجْمَلُ مِيثَاقٍ يَرْبِطُنَا بِجُذُورِنَا وَهُوِيَّتِنَا. هِيَ الحَرْفُ الَّذِي يَنْطِقُ بِجَمَالِ الحَيَاةِ، فَكُلَّمَا عَانَقْنَاهَا أَدْرَكْنَا أَنَّ فِي أَحْضَانِهَا نَجِدُ أَنْفُسَنَا. فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لُغَةٍ وَحُرُوفٍ تُنْطَقُ، بَلْ هِيَ وَطَنٌ يَسْكُنُ فِينَا.