لا شيء يستحق!

رسائل أدبية
دانية ماهر راعي · 2 د قراءة

ذكّرني في المرّة المُقبلة أن أبذلَ طاقتي في الاستمتاعِ بما هو موجود لا أن أبليها في استرجاع غائب أو في البحثِ عن منجم أوهام.

ذكّرني حينَ أدخل غُرفتي أن أدعَ النّافذةَ نصف مفتوحة فقد يعتقدُ الحَمامُ، حينَ يسمعُ نحيبي، أن ثمةَ مَن يبكي معهُ على فراخِهِ المفقودة ويألم كما يألم على فقدهم. إذ أنّ المواساة تبلسمُ الجّرح فيُدركُ أنّ الإنسان نفسه؛ كائنٌ هشّ، لكن بلا جناحين، الّذي يصطاد أقرانه من الحَمام نفسَهُ الّذي يقتل نفسَهُ الّذي يشبّ الحرائق ويفسد ويسرق ويخون نفسَهُ يبكي ويهون وربّ ثغرةٍ صغيرةٍ، لم يكُن يلقي لها بالًا أن تقسمَ ظهرَه!

ذكّرني بوجود حياةٍ ما ربّما لا أصِلُ إليها أن أدعمَ نفسي كما يجب إذ أنّ امرأةً مِثلي؛ تعرِفُ أنّ الحياة سامّة وأن ليسَ كُلُّ مرغوبٍ محمود. تعلّمت كيف تجاري أيّامها تكحّل جفنيها بصبرِ اللّيل تربّت على خيبتها وتكونُ أوّل مَن يصفّق لإنجازاتها. تخلعُ رداءَ الفجر الباكي وترتدي ثوبَ اصطباحٍ بشوش تنتشلُ من رأسِ القصيدةِ خيطًا لترقّعَ بهِ فوهةَ إخفاقاتها أمّا المسافات، فعُذرًا.. ليست من مهام الخيوط تقريبها فقد تركتها ذريعة لك، لعلّك تسكت بها صوتَ الاستفهام الجائع في رأسي!

عندما أديرُ نظري بين الرّفوف بحثًا عن المزيد من حكايا الأبطال لعلّي أعثرَ على نهايةٍ غير متوقّعة أهدئ بها سريرتي وتطمئنني أنّ ما أرجوه ليس مستحيلا. ذكّرني أن أخرجَ من الكهرمان الّذي أحبسُ فيه نفسي وأن ألمس سبابةَ الواقع بجُرأة، وأن لا بأس إذا ما بدت الأشياء عن قرب لا تشبه شيئًا مما تخيّلته. فخيالُ المرء أكثر ما يشقيه! وأخبرني: أنُك حقيقي لست شخصية خيالية صنعتها أنا وأحببتها أنا ثمّ جلدت نفسي أمامَ جمودها.

أرجوك ذكّرني بأشياء تعيدني إليّ أصبح الأمر خارجًا عن السيطرة إذ لا شيء يستحق عودتي إليه بقدر نفسي. -دانية راعي.